الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
327
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
معديكرب : ودع عنك عمرا إن عمرا مسالم * وهل بطن عمرو غير شبر المطعم والبحر هو بحر القلزم المسمى اليوم البحر الأحمر . والرهو : الفجوة الواسعة . وأصله مصدر رها ، إذا فتح بين رجليه ، فسميت الفجوة رهوا تسمية بالمصدر ، وانتصب رَهْواً على الحال من البحر على التشبيه البليغ ، أي مثل رهو . وجملة إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ استئناف بياني جوابا عن سؤال ناشئ عن الأمر بترك البحر مفتوحا ، وضمير إِنَّهُمْ عائد إلى اسم الإشارة في قوله : أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ [ الدخان : 22 ] والجند : القوم والأمة وعسكر الملك . وإقحام لفظ جُنْدٌ دون الاقتصار على مُغْرَقُونَ لإفادة أن إغراقهم قد لزمهم حتى صار كأنه من مقومات عنديتهم كما قدمناه عند قوله تعالى : لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في سورة البقرة [ 164 ] . [ 25 - 28 ] [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 25 إلى 28 ] كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ( 28 ) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فكهين ( 27 ) كَذلِكَ . استئناف ابتدائي مسوق للعبرة بعواقب الظالمين المغرورين بما هم فيه من النعمة والقوة ، غرورا أنساهم مراقبة اللّه فيما يرضيه ، فموقع هذا الاستئناف موقع النتيجة من الدليل أو البيان من الإجمال لما في قوله : وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ [ الدخان : 17 ] من التنظير الإجمالي . وضمير تَرَكُوا عائد إلى ما عاد إليه ضمير إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ [ الدخان : 24 ] . والترك حقيقته : إلقاء شيء في مكان منتقل عنه إبقاء اختياريا ، ويطلق مجازا على مفارقة المكان والشيء الذي في مكان غلبة دون اختيار وهو مجاز مشهور يقال : ترك الميت مالا ، ومنه سمي مخلف الميت تركة وهو هنا من هذا القبيل . وفعل تَرَكُوا مؤذن بأنهم أغرقوا وأعدموا ، وذلك مقتضى أن ما أمر اللّه به موسى